مسجد روما الكبير.. هل ضلّت بوصلة “التأهيل” في زمن الاعترافات؟
روما- ايطالياعربي.
في الوقت الذي يستبشر فيه العالم الإسلامي بخطوات المراجعة الفكرية، وتفكيك العُقد الإيديولوجية التي كبّلت العقول لعقود، طالعتنا وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية، بتعاون مع المركز الإسلامي الثقافي بإيطاليا، بملصق إعلاني رسمي يعلن عن تنظيم “الدورة العلمية لتأهيل الأئمة والخطباء في إيطاليا”، والمزمع عقدها بمسجد روما الكبير.
للإعلان المرفق في ظاهره طابع “علمي وتأهيلي” صرف، حيث يُظهر تفاصيل الدورة المزمع تنظيمها بإشراف من سفارة المملكة بروما ويؤطرها أحد الشيوخ الدكاترة. لكن في باطن هذا النشاط وسياقه السياسي والتاريخي، يثور في نفس المتابع المغربي والعربي فيض من علامات الاستفهام والتعجب، ويدفعنا للتساؤل بنبرة لا تخلو من الاستغراب: كيف لمؤسسة بحجم “مسجد روما الكبير” أن تسقط في فخ إعادة إنتاج الماضي، وتغامر بربط مستقبل الأئمة في أوروبا بجهة اعترفت أعلى سلطة فيها بأن فكرها الديني “المصدّر” كان مجرد ورقة في صراع دولي؟
لا يمكننا، ونحن نقرأ تفاصيل هذه الدورة العلمية المعلن عنها، أن نصاب بـ “ألزهايمر سياسي”. كيف غاب عن القائمين على مسجد روما تصريح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهير لوسائل إعلام دولية عام 2018؟ يومها، وبكل صراحة، اعترف الرجل القوي في الرياض بأن نشر “الوهابية” وتصديرها نحو الخارج لم يكن نابعاً من نقاء عقدي أو رسالة دعوية مجردة، بل جاء “بطلب من حلفاء خارجيين خلال فترة الحرب الباردة لمواجهة المعسكر الشيوعي”.
فإذا كان صاحب الشأن قد اعترف علناً بأن هذا التوجه ضلّ الطريق وتحول إلى أداة جُيّشت لخدمة أجندات قوى خارجية، كيف تسمح إدارة مسجد روما الكبير اليوم بأن تُفتح منابرها لتأهيل أئمة وخطباء يحملون أمانة توجيه الجالية المسلمة في ديار الغربة وفق نفس القنوات الرسمية؟ ألا يُعد هذا نوعاً من “المقامرة” بمستقبل الخطاب الديني في أوروبا؟
إن الغرابة لا تكمن في رغبة السعودية في التواجد الإقليمي، بل في “ارتماء” مؤسسة إسلامية أوروبية عريقة في حضن آلية تكوين تبدو متجاوزة ومثيرة للجدل. إننا أمام مفارقة عجيبة:
فبينما تحاول العواصم الأوروبية جاهدةً البحث عن “إسلام متوازن” ينسجم مع قيم المواطنة والبيئة المحلية، يأتي مسجد روما ليضع رقاب أئمته وخطبائه تحت مقصلة التأهيل الشرعي القادم من وراء البحار، وبإشراف مباشر من السفارة السعودية.
أي فقه سيُلقن لهؤلاء الأئمة؟ هل هو فقه المراجعات الجديد الذي يبشر به بن سلمان داخل المملكة، أم هو نفس الفكر التقليدي الذي اعترفت الرياض بنشره سابقاً لخدمة مصالح توازنات دولية خارحية؟ ومن يضمن للمسلم الأوروبي ألّا يقع هؤلاء الخطباء ضحية صراعات إيديولوجية مستوردة لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟
إن النموذج الأمثل في تدبير الشأن الديني، القائم على إمارة المؤمنين والوسطية والاعتدال، علّمنا دائماً أن تكوين الأئمة في الغرب يجب أن ينبع من بيئتهم، وأن يحمي عقولهم من “التأثيرات العابرة للقارات”.
لقد كان حرياً بمسجد روما الكبير، وهو يرى قادة المملكة السعودية يضعون مسافة نقاد بينهم وبين إرث الوهابية الكلاسيكية، أن يكون أكثر حذراً، وألا يربط مصيره الفكري بمشاريع دعوية تحركها رياح السياسة وتقلبات العلاقات الدولية. إن المغامرة بمستقبل الوعي الديني للجالية هي مغامرة غير محسوبة العواقب، والأيام كفيلة بأن تظهر ما إذا كان هذا التأهيل خطوة نحو الأمام.. أم انتكاسة نحو عهود الامتثال لـ “الطلبات الخارجية”.