كفاءات الخارج.. نحو نموذج جديد للمواطنة يتجاوز “فخ” الاستقطاب السياسي.

0


بريشيا- محمد قنديل.

​يثار مؤخراً نقاش محتدم حول المشاركة السياسية لمغاربة العالم في الانتخابات التشريعية المقبلة. وبينما يروج البعض لمقولات “التهميش” و”الإقصاء”، فإن القراءة الرصينة للواقع السوسيولوجي والسياسي للجالية تكشف حقائق مغايرة تماماً. إن ما يسميه البعض إقصاءً، هو في جوهره “نظرة حكيمة” من الدولة المغربية لتجنيب الجالية والوطن مخاطر انزلاقات سياسية غير محسوبة العواقب.

إن الحقيقة التي يجب مواجهتها بشجاعة هي أن الجالية المغربية بالخارج، رغم ارتباطها الوجداني المتين بالوطن، لم تصل بعد إلى درجة “النضج السياسي” التي تؤهلها للتمثيلية البرلمانية المباشرة في ظروف مستقرة. فالواقع الذي تعيشه الجالية، خاصة في أوروبا، موسوم بصراعات حادة وتجاذبات بين الجمعيات والكونفدراليات، وخلافات حتى حول تدبير الشأن الديني.
إن إقحام “السياسة الانتخابية” في هذا المناخ المحتقن سيحول الجالية إلى حلبة للصراع “والتقاتل” على المناصب، مما سيؤدي إلى فتنة كبيرة تسيء لصورة المملكة وصورة الجالية نفسها أمام دول الإقامة.

​لقد كشف الواقع أن عقوداً من الزمن (12 إلى 14 سنة وأكثر) قد استنزفت في رحلة البحث عن الاستقرار المهني والمادي وتأمين لقمة العيش. وبدلاً من استثمار هذا الزمن في بناء وعي سياسي جماعي وتأطير مؤسساتي رصين، بقيت الأولوية للغرض الفردي أو الانكفاء داخل جمعيات تحارب بعضها البعض. هذا الفشل في توحيد الصفوف وغياب الإجماع جعل الجالية تفتقد للجاهزية كفاعل سياسي قوي، مما يجعل من تنظيم انتخابات بالخارج حالياً مغامرة أو “Risk” قد يعصف بما تبقى من تماسك.

أمام هذا الوضع، تبرز ضرورة الاعتماد على “نخبة الكفاءات” كبديل واقعي ومنتج. إن تعزيز دور الأطباء، المهندسين، الأساتذة الجامعيين، والمثقفين المغاربة في الخارج يمثل القاطرة الحقيقية للتغيير. هؤلاء يمثلون “جالية صوليد” (Solid) وقوة ناعمة قادرة على ​نقل الخبرات العلمية والتقنية للمشاريع التنموية الكبرى بالمغرب، و كذلك ​تشكيل “لوبيات” ضاغطة تخدم القضايا الوطنية في مراكز القرار الدولية، إضافتا ل​تقديم صورة حضارية عن المغرب بعيداً عن ضجيج الصراعات الحزبية الضيقة.

​إننا نحتاج لسنوات أخرى، وربما لجيل جديد من الشباب المغربي الذي تشبع بقيم الديمقراطية والعقلانية في دول المهجر، ليكون قادراً على ممارسة سياسية ناضجة بعيدة عن عقلية “الغنيمة” أو الصراعات الجمعوية العتيقة.
​إن رؤية الدولة المغربية في التريث هي رؤية تتوخى الحفاظ على “السلم الاجتماعي” داخل الجالية. فالمغرب في غنى عن “كارثة سياسية” بالخارج، وهو في أمسّ الحاجة اليوم لمواطنة تنموية شاملة، تجعل من الكفاءة المهنية والارتقاء الاجتماعي معياراً للتمثيلية، إلى أن تنضج الظروف لممارسة انتخابية تليق بطموحات المغرب الحديث.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *