كواليس حكومة المنصوري وهندسة الـ 32 وزيراً.. صدمة مغاربة العالم وسؤال المسؤولية بين رهانات الرباط وأمراض التشرذم بالخارج
بريشيا- محمد قنديل
تتجه الأنظار إلى العاصمة الرباط عقب الإعلان الرسمي عن التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري واستقبالها من طرف جلالة الملك محمد السادس، وهي التشكيلة التي ضمت 32 وزيراً واستقرت تفاصيلها بعد مخاض طويل وكواليس حامية الوطيس بين الأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية، وهي الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. وقد أظهرت الهندسة التنفيذية المعروضة اعتماد صيغة تراعي الأوزان الانتخابية والتمثيلية البرلمانية لكل مكون، بمنح حزب الأصالة والمعاصرة الحصة الأكبر بـ 8 حقائب وزارية، يليه حزب الاستقلال بـ 6 حقائب، في حين توزعت باقي القطاعات على الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية بثلاث إلى أربع حقائب لكل منهما. غير أن هذا الصراع المحموم حول توزيع المغانم والمواقع كشف عن مفاجأة غير سارة لملايين المواطنين بالخارج، بعدما اتضح جلياً أن ملف الجالية المغربية تم تسقيطه من جدول الاهتمامات الرئيسية للحكومة، عبر إبقائه مجرد قطاع هامشي ملحق تحت جناح وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وهو ما أثار موجة عارمة من التذمر والاستياء الشديدين وسط الكفاءات والفعاليات الجمعوية والسياسية لمغاربة المهجر.
ويأتي هذا الإقصاء والتجاهل في ظرفية تاريخية معقدة وشديدة الحساسية يعيشها أكثر من خمسة ملايين مغربي في أوروبا وأمريكا، حيث يواجهون تغولاً غير مسبوق لتيارات اليمين المتطرف، وتسامياً لموجات العنصرية، وسياسات التضييق والإعادة القسرية والمعروفة في الأدبيات السياسية الأوروبية بـ “الريميغراسيون”، ما يضع مستقبل الأسر المغربية بالخارج أمام مصير مظلم وغموض وجودي كبير. ويستغرب المتتبعون للشأن السياسي كيف للجهاز التنفيذي أن يثقل كاهل وزير الخارجية ناصر بوريطة بملف حيوي بهذا الحجم، وهو الرجل الغارق في ملفات حارقة واستراتيجية تأكل وقته وجهده، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية والنزاع الدبلوماسي المحموم حولها، إلى جانب ملفي سبتة ومليلية المحتلتين والعلاقات الدولية المعقدة، مما يجعل التفرغ اليومي لمعاناة الجالية أمراً معقداً إن لم يكن مستحيلاً. وكان الأجدر والأولى والوفاء الوطني يقتضي إحداث وزارة سيادية خاصة ومستقلة بذاتها، تملك الإمكانيات والصلاحيات الكافية لحماية هذا القطاع الاستراتيجي الذي تضخ تحويلاته المالية ملايين الدراهم سنوياً بشكل يتجاوز مجموع إنتاج الفوسفاط ومداخيل القطاعات الإنتاجية الكبرى للاقتصاد الوطني، لتبدو الجالية في نظر هذه الهندسة وكأنها مجرد بقرة حلوب وجالب للعملة الصعبة دون حماية أو تمثيلية سياسية توازي تضحياتها.
غير أن قراءة هذه النازلة بأسلوب صحفي منصف تقتضي عدم الاقتصار على إدانة القائمين على الشأن المغربي والإدارة أو إشهار شماعة “التهميش الحكومي”، بل توجب الوقوف أمام مرآة الذات والاعتراف بمسؤولية أبناء الجالية أنفسهم عما آلت إليه أوضاعهم. فالأزمة لم تبدأ في الرباط ولم تتوقف عند حرمانهم من التمثيلية البرلمانية بقبة البرلمان، بل امتدت لتشكل ظاهرة متجذرة تُلاحق مغاربة العالم حتى داخل بلدان الإقامة في هولندا، بلجيكا، إيطاليا، وفرنسا، حيث يلاحظ شبه انعدام لممثليهم في البرلمانات والمجالس المحلية الأوروبية مقارنة بجاليات أخرى أقل عدداً وأكثر تأثيراً وسيطرة. ويعود هذا العجز المزدوج إلى فشل الفاعلين والجمعويين بالخارج في بناء “لوبي” موحد، بسبب انغماسهم في صراعات نفعية ضيقة، وحروب إيديولوجية وسياسية ودينية طاحنة، بلغت حد الاقتتال الشرس حول الحقل الديني وتسيير المساجد والسيطرة على مقاليدها، وشهدت مواجهات وحشية وصلت ردهات المحاكم والقضاء بأوروبا، ليتحول التنابذ والتسقيط إلى عقيدة تحكم علاقات الشتات وتسقط أطروحات الاندماج الإيجابي.
وأمام هذا المشهد القاتم والصور المؤسفة التي تصدرها الجالية، يبدو موقف الإدارة والقائمين على الشأن المغربي في التعامل مع هذا الملف حذراً ومفهوماً ومبرراً إلى حد بعيد؛ إذ يبدو أن الدولة، بعيون أجهزتها وقراءتها للواقع المأزوم بالخارج، توجست من فتح جبهة صراع سياسي وتنافس انتخابي جديد بين أفراد الجالية، مخافة أن تنتقل “شهوة الكراسي” والصراعات الدامية من جدران المساجد إلى المعترك السياسي والتمثيلية السيادية، مما يسيء لصورة المملكة ويُشعل فتنة تنظيمية لا حصر لها. وهكذا ارتأت الإدارة المغربية التريث والتأني إلى حين نضج هذه الجالية وتحلي نخبها بنكران الذات وخدمة المصلحة العليا للوطن بعيداً عن الأنا والصراعات الذاتية. إن الحصاد المر الذي تجنيه الجالية اليوم لم يكن سوى الشجرة التي غرسها فاعلوها بأيديهم عبر عقود من التفرقة والعداء المتبادل؛ فالأنظمة والدول لا تستجيب للشتات الممتلئ بالصراعات، ومن يفرط في قوته الديموغرافية والاقتصادية بسلاح التشرذم في معابد دينه ومؤسساته بالخارج، لا يستحق أن يتباكى على مقاعد السياسة والحقائب الوزارية بالداخل.