السطوة العسكرية والهلع الديمقراطي، قراءة في صعود الجنرال فاناتشي في إيطاليا وجذور الأزمة الأوروبية.
بريشيا- ايطالياعربي.
تزامناً مع التطورات السيتانيكية التي يشهدها المشهد السياسي الإيطالي عام 2026، يبرز اسم الجنرال روبرتو فاناتشي كلاعب مثير للجدل. إن تأسيسه لحزب “مستقبل وطن”، وانفصاله الدراماتيكي عن حزب “الرابطة”، لا يمثل مجرد تحول في التحالفات، بل يعيد إحياء مخاوف دفينة في الذاكرة الأوروبية حول مخاطر تغلغل العقلية العسكرية في الفضاء المدني للدولة.
صِدام النموذج الديمقراطية مقابل العسكرة.
يعد وصول جنرال سابق إلى قيادة حزب سياسي تحدياً بنيوياً. فالمؤسسة العسكرية تبنى على الطاعة العمياء، التسلسل الهرمي الصارم، ومبدأ الفصل الحاد بين “الذات” و”الآخر”. هذا النمط يتناقض بشكل جذري مع القيم الديمقراطية التي تحتفي بالتعددية، الحوار، والتسامح. وعندما ينتقل القائد العسكري إلى الساحة السياسية، غالباً ما يحمل معه ذهنية “المعركة” و”الحسم”، مما يقوض أسس العمل السياسي القائم على التوافق.
إرث الماضي، حصن الديمقراطية الإيطالية.
إن التساؤل عن كيفية سماح الدستور الإيطالي بصعود جنرال لقيادة حزب سياسي يجد إجابته في تاريخ البلاد المثقل. فالديمقراطية الإيطالية ولدت من رحم الحرب العالمية الثانية، بعد تجربة مريرة مع الفاشية والديكتاتورية. لذا، صُمِم الدستور لضمان الفصل الصارم بين السلطات وحيادية المؤسسة العسكرية، كحائط صد ضد أي انحراف نحو الشمولية، مع الأخذ بالاعتبار أن التحديات الاقتصادية والديون المستمرة التي ورثتها إيطاليا من الماضي، تساهم في تغذية الاستياء الشعبي الذي يستغله الشعبويون.
توازن المستقبل، يقظة ضرورية.
إن السماح الدستوري بتأسيس حزب يقوده جينرال يضع الديمقراطية الإيطالية أمام اختبار حقيقي. فالتحدي لا يكمن في النصوص القانونية فحسب، بل في قدرة المؤسسات المدنية والمجتمع المدني على مواجهة الخطاب الشعبوي الذي يغذي الاستياء ويستغل نقاط الضعف. إن الحفاظ على الديمقراطية يتطلب يقظة مستمرة لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي التي كلفت أوروبا ثمناً باهظاً.
في الختام، إن صعود الجنرال فاناتشي ليس مجرد حدث عابر، بل هو مؤشر على هشاشة التوازنات الديمقراطية أمام المد الشعبوي. تبقى الديمقراطية الإيطالية، رغم التحديات الاقتصادية التي تعود بجذورها إلى الماضي، قادرة على الصمود، شريطة تعزيز الوعي المدني والالتزام بالمبادئ الدستورية التي حمت أوروبا من السقوط مرة أخرى.